أبو علي سينا

293

القانون في الطب ( طبع بيروت )

قابضة ، ومن مادة لطيفة جلآءة بورقية ، فإذا طبخ في الماء تحلل الجوهر البورقي الجالي منه في الماء ، وبقي الجوهر الأرضي القابض ، فصار ماؤه مسهلًا وجرمه قابضاً . وكذلك العدس ، وكذلك الدجاج ، وكذلك الثوم ، فإن فيه قوة جلاءة محرقة ورطوبة ثقيلة ، والطبخ يفرق بينهما . وكذلك البصل ، والفجل ، وغير ذلك ، ولذلك قيل : إن الفجل يهضم ولا ينهضم لا بجميع أجزائه ، بل بالجوهر اللطيف الأرق الذي فيه ، فإذا تحلل ذلك عنه ، بقي الجوهر الكثيف الذي فيه عاصياً على القوة الهاضمة لزجاً ، وذلك الجوهر الآخر يقطع اللزوجة . ومن هذا الباب ، ما يقدر الغسل على التفريق بين بسائطه ، مثل الهندبا وكثير من البقول ، فإن جوهرها مركب من مادة أرضية مائية باردة كثيرة ، ومن مادة لطيفة قليلة ، فيكون تبريدها بالمادة الأولى ، وتفتيحها للسدد وتنفيذها أكثر بالمادة الآخرى ، ويكون خل هذه المادة اللطيفة منبسطة على سطحها وقد تصعَدت إليه وانفرشت عليه ، فإذا غسلت تحللت في الماء ولم يبق منها شيء يعتد به . فلهذا نهى عن غسلها شرعاً وطباً ، وبهذا السبب كثير من الأدوية إذا تناولها الإنسان ، برد تبرداً شديداً ، فإذا ضمد بها حللت مثلًا كالكزبرة ، فإنها إذا تنوولت اشتد تبريدها فإذا ضمَد بها ، فربما حلَلت مثل الخنازير ، وخصوصاً مخلوطة بالسويق ، وذلك لأنها مركَبة من جوهر أرضي مائي شديد التبريد ، ومن جوهر لطيف محلل فإذا تنوولت أقبلت الحرارة الغريزية فحللت عنها الجوهر اللطيف ، ولم تكن كثيرة المقدار فتؤثر في المزاج أثراً ، بل بعدت ونفذت ، وبقي الجوهر المبرد منه غاية في التبريد . وأما إذا ضفد بها فيشبه أن يكون الجوهر الأرضي لا ينفذ في المسام ولا يفعل فيها أثراً البتة . والجوهر اللطيف الناري ينفذ فيها وينضج ، فإن استصحبت شيئاً من الجوهر البارد ، نفع في الردع وقهر الحرارة الغريزية . وهذا قريب مما بينّاه في الكتاب الأول من إحراق البصل ضمَاداً والسلامة عنه مطعوماً ، إذا جعلنا إحدى العلل فيه قريبة من هذا ، فيجب أن يكون المعنى محكماً معلوماً . ومن الأدوية ما يشبه أن يكون فيه جوهران مختلفإن في الطبع من غير امتزاج البتّة ، فمن ذلك ما هو ظاهر للحس كأجزاء الأترج ، ومنه ما هو أخفى ، فإن بزرقطونا يشبه أن يكون قشره وما على قشره قوي التبريد . والدقيق الذي فيه قوي التسخين حتى يكاد أن يكون دواء محمراً أو مقرّحاً ، وقشره كالحجاب الحاجز بينهما ، فإن شرب غير مدقوق لم تمكن صلابة جلده من أن تنفذ قوة دقيقة وباطنة إلى خارج ، بل فعل بظاهره ولعابيته ، وإن دق فعسى أن الذي يقال من أنه سم ، هو بسبب ظهور دقيقه وحشوه ، فيشبه أن يكون تفجير المدقوق منه للجراحات ، وتفحّج الصحيح منه إياها ، وردعه لها بهذا السبب ، وهذا المقدار كاف في إعطائنا هذا الأصل .